النزاع في السودان: البنية الداخلية، الأسباب المركّبة، وانعكاساته الإقليمية

هيثم سريّة*

 يشهد السودان منذ نيسان/أبريل 2023 واحداً من أكثر النزاعات دموية وتعقيداً في إفريقيا الحديثة، وهو نزاع سرعان ما تحوّل من مواجهة محدودة بين مؤسستين عسكريتين إلى حرب شاملة ذات تداعيات إقليمية وإنسانية هائلة. وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية من خطورة الوضع، ما زال هذا النزاع يحتل موقعاً هامشياً في الأجندة الدولية مقارنة بالأزمات المعولمة كالحرب في أوكرانيا والأحداث في الشرق الأوسط

 تفسّر عدة عوامل هذا التراجع في الاهتمام الدولي:

  • البعد الجغرافي للسودان عن مراكز النفوذ العالمية

تشتت المنظومات الإعلامية الإفريقية،

القيود الصارمة على وصول المراسلين والعاملين الإنسانيين إلى مناطق الصراع

غير أنّ موقع السودان الجيوسياسي—عند تقاطع البحر الأحمر والساحل والقرن الإفريقي—يجعله عنصراً بنيوياً في أمن المنطقة. ومن ثمّ فإن فهم طبيعة هذا النزاع ضروري لاستيعاب تحولات البنية الأمنية في شمال وشرق إفريقيا

 أولاً: الخلفية السياسية – تفكك النظام الانتقالي وعودة منطق السلاح

  1. مرحلة ما بعد البشير ومحاولات الانتقال السياسي:

أطاحت الثورة الشعبية عام 2019 بالرئيس عمر البشير، وفتحت الباب أمام مشروع لانتقال ديمقراطي كان من المفترض أن يعيد ترتيب العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية. إلا أنّ هذا الانتقال تعثر منذ بدايته بفعل التنافس بين القوى المدنية وتنامي نفوذ جناحين عسكريين

القوات المسلحة السودانية (SAF) بوصفها المؤسسة العسكرية التقليدية،

قوات الدعم السريع (RSF) بوصفها قوة شبه عسكرية اكتسبت وزناً سياسياً واقتصادياً كبيراً خلال العقد الأخير

ورغم تشكيل حكومة انتقالية، فإن الطرفين العسكريين لم يظهرا استعداداً حقيقياً لتسليم السلطة. فقد حافظ الجيش على نفوذه داخل المؤسسات الرسمية، فيما احتفظت قوات الدعم السريع ببنيتها المستقلة، وتمويلها الذاتي، وشبكاتها الاقتصادية الواسعة—وهو ما أوجد بيئة سياسية هشة قابلة للانفجار.

  1. معضلة دمج قوات الدعم السريع:

برز الخلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش كأبرز نقاط الاحتقان. فقد نص الاتفاق الإطاري لعام 2022 على توحيد القوات المسلحة، لكنّ حميدتي طالب بفترة دمج تمتد لسنوات، بينما أصرّ البرهان على تسريع العملية

أخذ الخلاف منحى تصاعدياً، ومع غياب الثقة بين الطرفين وعدم وجود ضامن سياسي فعّال، تحوّل الجدل المؤسساتي إلى صدام مسلح مكثّف

 ثانياً: الجذور الاقتصادية والاجتماعية للنزاع

  1. الصراع على الموارد والاقتصاد الموازي:

يتميز السودان بامتلاكه ثروات اقتصادية كبيرة، أبرزها الذهب والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية. وقد شكّلت هذه الموارد نقطة التقاء بين القوة العسكرية والمصلحة الاقتصادية. إذ تسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من مناجم الذهب في دارفور وكردفان، ما مكّنها من بناء اقتصاد موازٍ ووضع مالي مستقل، في حين يدير الجيش قطاعات اقتصادية استراتيجية تشمل الموانئ والمؤسسات الوطنية الرئيسية.

هذا الازدواج أعاق بناء دولة مركزية متماسكة، وأنتج مراكز قوى متنافسة تتصارع للحفاظ على مصالحها.

  1. لإرث الإثني والاجتماعي في غرب السودان:

تتعقد ديناميات الحرب في الأقاليم الغربية—خاصة دارفور—بفعل التوترات الإثنية المتجذرة والصراعات التاريخية على الأرض والموارد. وقد أدى هذا الإرث إلى تفاقم النزاع عبر حوادث عنف ذات طابع جماعي، ذكرت تقارير أممية أنها استهدفت مجموعات مدنية بعينها، معيداً إلى الواجهة سيناريوهات مأساوية شهدها الإقليم مطلع الألفية.

شهد السودان عبر تاريخه الحديث توتّرات إثنية معقّدة ومتجذّرة، ترتبط غالبًا بعوامل سياسية واقتصادية وتفاوت في التنمية، أكثر من ارتباطها بالهوية وحدها. من أبرز المجموعات التي دارت بينها توترات:

  1. في غرب السودان (دارفور)

المجموعات العربية (مثل الرزيقات، المسيرية، المحاميد…)

المجموعات غير العربية (مثل الفور، الزغاوة، المساليت…)

تعمّقت التوترات خلال أزمة دارفور منذ 2003 بسبب النزاعات على الأرض والمراعي والموارد، إضافة إلى سياسات التسلح والتهميش.

  1. في جنوب السودان سابقًا (قبل الانفصال 2011)

المجموعات العربية/الشمالية

المجموعات الإفريقية الجنوبية (مثل الدينكا، النوير، الشلك…)

وارتبط الصراع بقضايا الهوية والموارد والنفط والتهميش السياسي

  1. في جبال النوبة (جنوب كردفان)

النوبة (مجموعات أفريقية متعددة)

المجموعات العربية في الولاية

الصراع ارتبط بالتمرد ضمن الحركة الشعبية/قطاع الشمال وبمسائل التنمية والسلطة

  1. ي النيل الأزرق

الأنقسنا والمجموعات الإفريقية الأخرى

المجموعات العربية

ويشبه صراعه صراع جنوب كردفان من حيث جذوره السياسية

  1. توترات داخلية داخل المجموعات العربية

في دارفور وكردفان بين

الرزيقات ضد المعاليا

الهبانية ضد الفلاتة

ضد المسيرية الرزيقات

وترتبط عادة بخلافات على الأرض والموارد

 ثالثاً: مسار النزاع – عسكرة المدن وانهيار الخدمات

ا. القتال داخل الحواضر الكبرى:

تحول إقليم الخرطوم إلى مركز رئيسي للعمليات العسكرية. فقد أدت المواجهات داخل المناطق الحضرية إلى تفتت خطوط القتال وتحويل الأحياء السكنية إلى ساحات حرب. ومع تعرض البنى التحتية الأساسية منها المستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه—لأضرار جسيمة، باتت الحياة المدنية شبه مشلولة

  1. دارفور: عودة دورة العنف:

شهدت دارفور تصعيداً متسارعاً، حيث تمكنت قوات الدعم السريع في فترات عدة من السيطرة على مدن مركزية، في سياق تدهور أمني يُنذر بإعادة إنتاج العنف الإثني. ويُعد هذا الإقليم اليوم من أكثر المناطق هشاشة على المستوى الإنساني والأمني

شهدت مدينة الفاشر في شمال دارفور إحدى أعنف المجازر خلال الحرب السودانية، بعد أن تعرّض المدنيون لعمليات قصف واسع ومداهمات وإعدامات ميدانية عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة. طالت الهجمات أحياء سكنية ومرافق طبية ومساجد، بما في ذلك استهداف مستشفى الولادة السعودي ومسجد الجامع الجامع. وقد قدّرت تقارير أممية ومنظمات حقوقية عدد الضحايا بما يتجاوز 800 قتيل موثّقين خلال فترة الحصار، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي الضحايا قد تخطّى 2,000 مدني.

رابعاً: الأبعاد الإقليمية والدولية للنزاع

  1. تأثير الجوار الإقليمي:

تنعكس مصالح دول الجوار—مصر وإثيوبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان—بشكل مباشر على توازن القوى داخل السودان، سواء عبر الدعم العسكري أو السياسي أو اللوجستي للأطراف المتصارعة. ويؤدي هذا الانخراط متعدد المستويات إلى تعقيد جهود الوساطة ويُطيل أمد الحرب

: 2. البحر الأحمر وجغرافيا المصالح الدولية

يمنح الشريط الساحلي الممتد على البحر الأحمر السودان أهمية استراتيجية خاصة، باعتباره ممراً حيوياً للملاحة والطاقة. وهذا ما جعل النزاع يحظى باهتمام القوى الدولية الكبرى، رغم عدم انخراطها بالقدر الكافي للحد من التصعيد.

 خامساً: الأزمة الإنسانية – كارثة تتعمّق

تشير بيانات الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي إلى أنّ السودان يواجه واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية في العالم اليوم

أكثر من 8 ملايين نازح داخل البلاد وخارجها

أكثر من 18 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي

تعطّل 70% من المرافق الصحية

انهيار واسع في شبكات المياه والكهرباء والاتصال

إن محدودية القدرة على الوصول الإنساني، إلى جانب اتساع نطاق العنف، يضع البلاد على حافة كارثة إنسانية مرشحة للتفاقم

سادساً: آفاق التسوية – بين الواقع الميداني وضغط المجتمع الدولي

: تعثّر المبادرات الدبلوماسية  .1

فشلت معظم الجهود الإقليمية والدولية في فرض وقف مستدام لإطلاق النار، بسبب التشرذم داخل الوحدات العسكرية المختلفة، و غياب الإرادة السياسية لتقديم تنازلات  انتشار الميليشيات المحلية استمرار الدعم الخارجي لبعض أطراف النزاع

  1. السيناريوهات المستقبلية المحتملة:

تشير االمعلومات أعلاه ؤسسات البحثية الدولية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية

استمرار النزاع على نحو طويل الأمد مع تغيّر حدة العمليات.1

  1. تسوية لامركزية تمنح الأقاليم صلاحيات موسعة

 اتفاق انتقال سياسي بوجود دولي ضامن ومكثّف .3

ويُعد السيناريو الثالث الأكثر ملاءمة لبناء دولة مستقرة، لكنه الأقل احتمالاً في ظل المعطيات الحالية

يُظهر النزاع في السودان تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل الحلول السريعة شبه مستحيلة. فالحرب ليست مجرد مواجهة بين جيشين، بل انعكاس لأزمة حكم ممتدة، وفشل في بناء مؤسسات قادرة على احتكار القوة وتنظيم الاقتصاد وضمان التعايش الاجتماعي.

ومع أنّ مستقبل السودان سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الفاعلين المحليين على الدخول في عملية سياسية جامعة، فإنّ دور المجتمع الدولي في توفير بيئة داعمة للحل يظل عاملاً حاسماً. وفي ظل التهديدات الممتدة لأمن البحر الأحمر واستقرار منطقة الساحل، يظل السودان بؤرة مركزية في خريطة الأزمات العالمية.

* هيثم سرية – كاتب سوري

Next Post

أ. خليل المنصور l سوريا بين قبضة الاستبداد وأفق التحول الديمقراطي

الأحد ديسمبر 7 , 2025
حوار في ورشة عمل حول الاستبداد والديمقراطية في الحالة السورية، على منصة ندوة وطن الحوارية وبالشراكة مع مؤسسة لندنار الإعلامية.. وبمشاركة نخبة من مثقفي المجتمع السوري. مونتاج: نورجان سرغاية. تحرير: الكتروني: علي الحاج حسين. تنسيق: موفق زريق. Music: Spence – News Room New

أبرز المواد

أحدث المنشورات