الإسلام السياسي والعلمانية مع الرمح وتركماني

تنزيل ملف PDFتصفح كتاب إلكترونيمقال في الموقع

الإسلام السياسي والعلمانية

جدلية الدولة والمجتمع وإشكاليات التحول في السياق العربي المعاصر

(سوريا نموذجا)

إعداد علي الحاج حسين ونورجان سرغاية

المادة خلاصة ورشة عمل قدم لها أحمد الرمح وعبد الله تركماني وساهم في الحوار 26   مشاركاً في 15-8 تشرين ثاني/نوفمبر 2025م. المشاركون (ابجديا): أحمد الرمح، أحمد معيوف، اياد الشاعر، بسام العيسمي، بكر القيم، جمال درويش، جورج مكحل، حسني الملكة، رباح صالح، سليمان الكفيري، عبد السلام فريج، عبد الله تركماني، علاء الخطيب، علي الحاج حسين، فارس ايغو، فايد عزام، فؤاد علوش، ندى الخش، نمرود سليمان، نورجان سرغاية، محمد بولاد، محمد حافظ يعقوب، مشهور أبو لطيف، موفق زريق، هيثم العالم، هيثم صعب.

نظمتها مؤسسة “لندنار” على منصة “ندوة وطن”

برعاية المنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا

www.arabicforum.co.uk  

المحتويات

  • الإطار النظري وإشكالية الدولة
  • منهجية البحث ومصادره
  • الفرضية المركزية للبحث
  • سياق الورشة وأهدافها
  • آلية العمل وشكر وتقدير

الفصل الأول – الجينالوجيا التاريخية للإسلام السياسي.. من الهند إلى مصر

  • 1.1 الجذور الهندية: المودودي وتأسيس “الحاكمية”
  • 1.2 الانتقال إلى الحاضنة العربية: حسن البنا وسيد قطب
  • 1.3 التحولات المعاصرة: من الدعوة إلى الدولة

الفصل الثاني – العلمانية.. الجدل المفاهيمي والنماذج التطبيقية

  • 2.1 إشكاليات التعريف: العلم أم العالم؟
  • 2.2 نماذج العلمانية: بين “الفصل الصلب” و”الحياد المرن”
  • 2.2.1 النموذج الفرنسي (Laïcité): العلمانية الصلبة/المقاتلة
  • 2.2.2 النموذج الأنجلو-ساكسوني/الألماني: العلمانية المرنة/المحايدة
  • 2.3 العلمانية في السياق العربي: “الاستبداد التحديثي”
  • 2.4 هابرماس و”الترجمة” في المجال العام

الفصل الثالث – الحفر التاريخي.. الدولة والخلافة في التراث

  • 3.1 صحيفة المدينة: التأسيس المدني للأمة
  • 3.2 علي عبد الرازق: الفصل الجريء
  • 3.3 الماوردي وفقه “التغلب”
  • 3.4 الانعطافة الأموية وتديين السياسة

الفصل الرابع – الحالة السورية.. تشخيص الأزمة واستشراف الحلول

  • 4.1 تشخيص الواقع: بين “علمانية” النظام و”أسلمة” المعارضة
  • 4.2 الجدل الدستوري: هوية الرئيس والتشريع
  • 4.3 المصالحة التاريخية: “النموذج الإيطالي” كإلهام
  • 4.4 إشكالية النخبة والشارع: لمن الكلمة؟

الفصل الخامس – خلاصة ومقترحات.. نحو “عقد اجتماعي” جديد

  • 5.1 إعادة تعريف المفاهيم
  • 5.2 الدولة المحايدة: الحل الممكن
  • 5.3 خارطة طريق للمستقبل
  • المصادر والمراجع المعتمدة في التحليل

مقدمة

يأتي هذا البحث في إطار السعي إلى مقاربة الإشكاليات المركّبة التي تحكم العلاقة بين الإسلام السياسي والعلمانية، وهي علاقة ما تزال تشكّل محورًا إشكاليًا في الفكر السياسي العربي المعاصر، ولا سيما في الحالة السورية التي تشهد تحوّلات عميقة على المستويين الاجتماعي والسياسي. ويعتمد هذا العمل على تحليل معمّق لمجموعة واسعة من المداخلات الفكرية التي طُرحت في ورشة عمل متخصصة، مع الاستناد إلى أدبيات بحثية أكاديمية وسياقات تاريخية وفلسفية تُسهم في تفكيك البنية المفاهيمية للمقولات المتصارعة، مثل: الحاكمية، الدولة المدنية، الحياد الديني، والعلمانية بصيغتيها الصلبة والمرنة. كما يتتبّع البحث الجذور التاريخية لنشوء الإسلام السياسي في شبه القارة الهندية وانتقاله إلى المجال العربي، وصولًا إلى تجلياته ومآلاته في الواقع السوري الراهن.

الإطار النظري وإشكالية الدولة

تُعدّ العلاقة بين “المقدّس” و”الزمني” من أكثر العلاقات تأثيرًا في تشكيل البنى السياسية والاجتماعية عبر التاريخ. وفي السياق العربي والإسلامي، ازدادت هذه العلاقة تعقيدًا مع دخول الحداثة الغربية وسقوط نظام الخلافة، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة جوهرية حول الهوية والشرعية وموقع الدين في المجال العام. وتتمحور الإشكالية المركزية لهذا البحث حول مجموعة من التساؤلات الوجودية التي أثارتها الأوراق النقاشية في الورشة، من قبيل: هل نشأ الدين ليكون سلطة حاكمة أم مرجعية أخلاقية؟ وكيف انتقلت النصوص الدينية من فضاء الدعوة إلى فضاء الدولة؟ وما الأسباب التي أدّت إلى إخفاق مشاريع التحديث العلمانية العربية في بناء دول ديمقراطية مستقرة، وانتهائها في كثير من الأحيان إلى أنظمة استبدادية أسهمت في تأجيج الصراع الديني بدل احتوائه؟

منهجية البحث ومصادره

يستند هذا البحث إلى تحليل مداخلات ستةٍ وعشرين مشاركًا في ورشة العمل المعنونة “الإسلام السياسي والعلمانية“، وهي ورشة نظّمتها مؤسسة لندنار ومنصة ندوة وطن بالتعاون مع المنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا. وقد خُصّصت الورشة لمناقشة ورقتين بحثيتين قدّمهما الباحثان أحمد الرمح وعبد الله تركماني، واللتان شكّلتا العمود الفقري للمادة العلمية التي استند إليها هذا التقرير. وقد تناولت الورقتان، كلٌّ وفق مقاربته المنهجية، محاور مركزية شملت: تاريخ الأديان وتحوّلاته، تطوّر الإسلام السياسي، مفهوم العلمانية وسياقاته الفكرية والاجتماعية، إضافة إلى الإشكاليات الدستورية المرتبطة بعلاقة الدين بالدولة.

وبالنظر إلى الكم الكبير من الأوراق والمداخلات المكتوبة والمسجّلة صوتيًا ومرئيًا، جرت مراجعة شاملة لجميع المواد المتاحة، ثم تلخيصها ودمج الأطروحات المتقاربة منها، مع الحفاظ على جوهر الأفكار المطروحة. وقد أتاح هذا الجهد صياغة رؤية بانورامية متكاملة تعكس تنوّع الخلفيات الفكرية والسياسية للمشاركين، وتقدّم قراءة معمّقة لطبيعة الإسلام السياسي في سوريا، وبنيته الفكرية والتنظيمية، وعلاقته بالدولة، والمجتمع، والثورة.

الفرضية المركزية للبحث

ينطلق هذا التقرير من فرضية نقدية مفادها أنّ المقاربات الاختزالية السائدة في فهم الإسلام السياسي والعلمانية ــ سواء عبر ربط الأول بالإرهاب أو اختزال الثانية في الإلحاد ــ قد أسهمت بصورة مباشرة في تعطيل إمكانات تشكّل الدولة الحديثة، بما تتطلّبه من عقلانية مؤسسية وتوازنات اجتماعية. ومن ثمّ، يدعو البحث إلى إعادة قراءة التراث الديني والفكري، وكذلك التجارب السياسية المعاصرة، من خلال منهج نقدي تفكيكي يتيح تجاوز الأحكام المسبقة، ويفتح المجال أمام بناء فهم أكثر تركيبًا وعمقًا للعلاقة بين الدين والسياسة في السياقات العربية.

سياق الورشة وأهدافها

نُظّمت الورشة ضمن برنامج حواري يهدف إلى تعميق النقاش حول موقع الدين في الحياة العامة، واستشراف أسس بناء دولة مدنية تقوم على المواطنة وسيادة القانون. وقد شارك في الورشة ستة وعشرون ناشطا سوريًا من خلفيات فكرية وسياسية متنوعة، ناقشوا إشكاليات العلاقة بين الإسلام السياسي والعلمانية، وتحديات الفصل بين الديني والسياسي في السياق السوري، إضافة إلى قراءة النماذج الدولية التي يمكن الاستفادة منها في تطوير رؤية أوضح لمستقبل الدولة.

وتهدف الورشة إلى دعم النقاش العام حول شكل النظام السياسي المنشود في سوريا، وتعزيز الحوار بين مختلف التيارات الفكرية، بما يمهّد لبناء عقد اجتماعي جديد يضمن التعددية ويعزّز الاستقرار السياسي والمجتمعي.

آلية العمل وشكر وتقدير

نظرًا لضخامة المادة التي قُدّمت في الورشة، سواء المكتوبة أو المسجّلة، جرى العمل على جمعها وتصنيفها وتنسيقها، ثم دمج الرؤى المتقاربة منها في متن التقرير، مع الاكتفاء بذكر أسماء أصحاب المداخلات في المقدمة وإدراج خلاصات أفكارهم في السياق التحليلي.

ويتوجّه هذا البحث بالشكر إلى جميع السيدات والسادة المشاركين الذين أسهموا في إغناء الحوار، مما أتاح إصدار هذا الجزء من الكتاب الإلكتروني بصيغته الحالية، المبوبة والمنظمة.

خلافاً للسردية الشائعة التي تحصر نشأة الإسلام السياسي في السياق العربي، تكشف التحليلات التاريخية والمداخلات البحثية عن جذور “هندية” عميقة لهذا التيار، ارتبطت بظروف الاستعمار والصراع الهوياتي في شبه القارة الهندية قبل أن تنتقل وتتبيّأ في البيئة العربية.

1.1 الجذور الهندية: المودودي وتأسيس “الحاكمية”

تشير المداخلات البحثية إلى أن ولادة “الإسلام السياسي المعاصر” لم تكن عربية المنشأ، بل كانت استجابة لتحديات واجهت مسلمي الهند تحت الاستعمار البريطاني وسقوط الخلافة العثمانية في عام 1924. في هذا السياق، برز أبو الأعلى المودودي كمنظر مؤسس، صاغ مفهوم “الحاكمية” (Hakimiyyah) أو “الحكومة الإلهية” كرد فعل دفاعي ضد الديمقراطية والعلمانية التي تبناها حزب المؤتمر الهندي، والتي كان يخشى أن تؤدي إلى ذوبان الهوية الإسلامية في الأغلبية الهندوسية ([1]).   

تحليل مفهوم الحاكمية والجاهلية عند المودودي

طرح المودودي فكرة أن “الحكم لله وحده” ليس فقط بالمعنى العقدي، بل بالمعنى السياسي والدستوري، معتبراً أن أي تشريع يضعه البشر (ديمقراطية) هو منازعة لسيادة الله. وقد صنّفَ المجتمعات التي لا تحكم بالشريعة بأنها تعيش في “جاهلية”.   

توضح المداخلات أن المودودي عارض في البداية فكرة الدولة الوطنية (باكستان) التي قادها محمد علي جناح لأنها كانت ذات توجه علماني ديمقراطي، وأفتى بكفر الديمقراطية لقطع الطريق على اندماج المسلمين في نظام لا تكون فيه الكلمة العليا للفقهاء. هذا التأسيس النظري نقل الإسلام من “دين” إلى “أيديولوجيا سياسية” شاملة تنافس الأيديولوجيات الغربية (الرأسمالية والاشتراكية).   

1.2 الانتقال إلى الحاضنة العربية: حسن البنا وسيد قطب

انتقلت هذه الأفكار إلى العالم العربي عبر قنوات متعددة، لتجد صدىً واسعاً في مصر عقب سقوط الخلافة وتنامي التغريب.

  • حسن البنا (التنظيم): أسس جماعة الإخوان المسلمين (1928) كرد فعل على التغريب وسقوط الخلافة. وتشير التحليلات في الورشة إلى أن البنا كان “براغماتياً” وسياسياً ذكياً، تحالف مع القصر الملكي (الملك فؤاد وفاروق) لمواجهة خصومه السياسيين (حزب الوفد والشيوعيين)، مما يطرح تساؤلات حول جدلية “الدعوي والسياسي” في فكر الجماعة منذ التأسيس.   
  • سيد قطب (التنظير الراديكالي): يُظهر التحليل المقارن أن سيد قطب تأثر بعمق بمفاهيم المودودي (الحاكمية والجاهلية)، لكنه أسقطها على الواقع العربي، وتحديداً في صراعه مع نظام جمال عبد الناصر. حوّل قطب مفهوم “الجاهلية” من توصيف تاريخي لما قبل الإسلام إلى حكم قيمي على المجتمعات المسلمة المعاصرة التي لا تطبق الشريعة، مما وفر الغطاء النظري لحركات العنف والتكفير لاحقاً.   

المقارنة بين المودودي وقطب في تأسيس الإسلام السياسي

وجه المقارنةأبو الأعلى المودودي (الهند/باكستان)سيد قطب (مصر)
سياق النشأةأقلية مسلمة في الهند، ثم دولة ناشئة (باكستان)صراع مع دولة قومية علمانية استبدادية (الناصرية)
المفهوم المركزيالتيوديمقراطية (Theo-democracy)، الحكومة الإلهيةالحاكمية، المفاصلة الشعورية، جاهلية القرن العشرين
الموقف من الديمقراطيةرفضها نظرياً (حكم البشر) وقبلها تكتيكياً لاحقاًرفضها كلياً باعتبارها “شركاً” ومنازعة لله
الهدف السياسيأسلمة المجتمع والدولة من الأعلىالثورة الشاملة وتغيير المجتمع من الجذور (الطليعة)
التأثيرألهم الحركات الدستورية الإسلامية (الجماعة الإسلامية)ألهم حركات السلفية الجهادية والعنف الثوري

1.3 التحولات المعاصرة: من الدعوة إلى الدولة

ناقشت المداخلات البحثية مآلات الإسلام السياسي في العصر الحديث، مشيرة إلى أن هذا التيار لم يقدم “نظرية دولة” متماسكة ومستقلة، بل قام غالباً بـ”أسلمة” مفاهيم الدولة الحديثة (الجمهورية، البرلمان، الدستور) وإضفاء صبغة شرعية عليها دون تغيير جوهرها. كما تم التمييز بوضوح بين تيارات الإسلام السياسي:   

  • التيار الإصلاحي/الديمقراطي: (مثل النهضة في تونس، والعدالة والتنمية في تركيا) الذي قبل بقواعد اللعبة الديمقراطية ومفهوم الدولة الوطنية، وسعى للعمل من داخلها.   
  • التيار الجهادي/الراديكالي: (القاعدة، داعش، تحرير الشام) الذي يرفض الدولة الوطنية ويعتبرها صنيعة استعمارية، ويسعى لإقامة “خلافة” عابرة للحدود بالقوة.   

[1].  توحيد الحاكمية: يرى المودودي أن من أهم أركان الإيمان هو الاعتراف بأن الله هو الحاكم المطلق، وأن الشريعة هي القانون الإلهي الوحيد الذي يجب تطبيقه في كل مناحي الحياة.

شكل محور “العلمانية” ساحة نقاش حامية في المداخلات، حيث تم تفكيك المصطلح لغوياً واصطلاحياً، ومقارنة نماذجه العالمية، ونقد تطبيقاته العربية المشوهة.

2.1 إشكاليات التعريف: العلم أم العالم؟

برز في النقاش اتجاهان لتأصيل المصطلح:

  1. الاتجاه العلموي (Scientism): يرى بعض المشاركين أن العلمانية مشتقة من “العلم” (بكسر العين)، وأنها المنهج الذي يعتمد التفكير العلمي المادي في إدارة الحياة، نافياً الغيبيات عن الفضاء العام. يرى هذا الاتجاه أن تقدم الغرب (أوروبا، أمريكا، اليابان) مرهون باعتمادهم العقل والعلم ونبذهم للميتافيزيقا في إدارة الدولة.   
  2. الاتجاه الدنيوي (Secularism): يرى آخرون، مستندين إلى جذور الترجمة والاشتقاق اللغوي، أن العلمانية مشتقة من “العالم” (بفتح العين) أو “الدنيوي”، وتعني الاهتمام بشؤون هذا العالم وتدبيره، وفصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة، دون بالضرورة معاداة الدين أو نفيه.   

2.2 نماذج العلمانية: بين “الفصل الصلب” و”الحياد المرن”

تمحور جزء كبير من النقاش حول المفاضلة بين النماذج العالمية للعلمانية، ومدى ملاءمتها للواقع السوري والعربي:

2.2.1 النموذج الفرنسي (Laïcité): العلمانية الصلبة/المقاتلة

وُصف هذا النموذج في المداخلات بأنه يسعى لـ”تحرير الدولة من الدين”، ويميل إلى إقصاء الرموز الدينية من المجال العام تماماً (مثل منع الحجاب في المدارس). انتقدت المداخلات بشدة استيراد هذا النموذج إلى المنطقة العربية، معتبرة أنه تحول إلى “دين بديل” أو أيديولوجيا إقصائية تعادي هوية المجتمع، مما يولد ردود فعل أصولية مضادة.   

2.2.2 النموذج الأنجلو-ساكسوني/الألماني: العلمانية المرنة/المحايدة

حظي هذا النموذج بتأييد واسع في النقاشات البحثية. يقوم هذا النموذج (المطبق في أمريكا، بريطانيا، ألمانيا) على “حيادية الدولة” تجاه الأديان، وليس عداءها. الدولة هنا تضمن “حرية الدين” (Freedom of Religion) وتحمي حق المجموعات في التعبير عن ذاتها، بينما تقف مؤسسات الحكم (القضاء، الجيش، التشريع) على مسافة واحدة من الجميع. أكدت المداخلات أن هذا النموذج “المحايد” هو الأقرب للتطبيق في مجتمعاتنا، لأنه لا يصادم العقائد الفردية، بل ينظم العلاقة بينها في فضاء “دولة الحق والقانون”.   

2.3 العلمانية في السياق العربي: “الاستبداد التحديثي”

أجمعت التحليلات على أن فشل العلمانية في العالم العربي لا يعود لخلل في الفكرة ذاتها، بل لسوء التطبيق الذي اقترن بالأنظمة الديكتاتورية (الناصرية، البعث). هذه الأنظمة، كما تصفها المداخلات، لم تكن علمانية حقيقية، بل “سلطوية”، استُخدمت شعارات العلمانية لضرب الخصوم الإسلاميين وتأميم المجال الديني لخدمة الحاكم، بينما غيبت القيم الملازمة للعلمانية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. نتج عن ذلك ربط شرطي في الوعي الجمعي بين “العلمانية” و”الاستبداد/الكفر”، مما جعل الشعوب تميل لاختيار الإسلاميين كلما أتيحت لها فرصة ديمقراطية (مصر 2012، تونس 2011) كنوع من الاحتماء بالهوية.   

2.4 هابرماس و”الترجمة” في المجال العام

استدعت النقاشات أطروحات الفيلسوف يورغن هابرماس حول “المجال العام” في المجتمعات ما بعد العلمانية. يرى هابرماس ضرورة دمج المتدينين في النقاش الديمقراطي، بشرط الالتزام بـ”شرط الترجمة”([1]) (Translation Proviso): أي أن يقوم المواطنون المتدينون بترجمة قناعاتهم الدينية إلى لغة “عقلانية علمانية” مشتركة ومفهومة للجميع عند مناقشة القوانين والسياسات العامة. أثارت هذه الفكرة جدلاً في الورشة: هل يمكن للمتدين المسلم “ترجمة” مفاهيم مثل “الربا” أو “الحدود” إلى لغة مصالح دنيوية دون أن يفقد جوهر عقيدته؟ وهل الدولة المحايدة قادرة على استيعاب هذه الترجمات؟   


[1] . شرط الترجمة (Translation Requirement): هو المفهوم المحوري ومفاده أن على المتدينين في المجتمعات التعددية أن يترجموا محتويات معتقداتهم المقدسة إلى مفاهيم علمانية قابلة للنقاش والفهم من قبل غير المتدينين في المجال العام، مما يسمح للدين بالمساهمة في تشكيل القوانين والقيم السياسية دون انتهاك مبدأ فصل الدين عن الدولة، ويعزز الاعتراف المتبادل.

لجأت المداخلات إلى التفكيك التاريخي لنزع القداسة عن الممارسة السياسية في التاريخ الإسلامي، وإثبات بشرية “الدولة” وتاريخيتها.

3.1 صحيفة المدينة: التأسيس المدني للأمة

تمت العودة إلى “صحيفة المدينة” (دستور المدينة) كوثيقة تأسيسية. جادلت المداخلات بأن الصحيفة لم تؤسس دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي، بل أسست “مجتمعاً سياسياً تعاقدياً” (أمة) يضم المسلمين واليهود والمشركين، بناءً على المصالح المشتركة (الدفاع، الديات، الأمن). تؤكد الدراسات المرفقة أن الصحيفة لم تفرض الإسلام ديناً للدولة، بل اعترفت بالتعددية الدينية والقانونية (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم)، مما يجعلها سابقة تاريخية لمفهوم “المواطنة” والتعاقد السياسي الذي يمكن البناء عليه اليوم.   

3.2 علي عبد الرازق: الفصل الجريء

استعادت النقاشات بقوة أطروحة الشيخ علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” (1925). أكدت المداخلات أن عبد الرازق قدم قراءة ثورية حين اعتبر أن الإسلام “رسالة لا حكم، ودين لا دولة”، وأن النبي لم يبعث لتأسيس ملك سياسي، وأن نظام الخلافة ليس أصلاً من أصول الدين، بل هو تدبير دنيوي خاضع للمصلحة المتغيرة. رأى المشاركون في هذا الطرح مخرجاً شرعياً لأزمة الدولة الحديثة، حيث يحرر المسلمين من واجب “إقامة الخلافة” ويدفعهم للمشاركة في بناء دول مدنية ديمقراطية بناءً على العقل والتجربة البشرية.   

3.3 الماوردي وفقه “التغلب”

في المقابل، تم نقد التراث الفقهي السلطاني، وتحديداً كتاب “الأحكام السلطانية” للماوردي. أوضحت التحليلات أن الماوردي لم يكن ينظر لدولة مثالية، بل كان يكتب “فقه أزمة” في ظل ضعف الخليفة العباسي وسيطرة البويهيين، محاولاً شرعنة الواقع للحفاظ على وحدة الجماعة. خلصت المداخلات إلى أن الاعتماد على فقه الماوردي اليوم لبناء دولة حديثة هو استدعاء لـ”فقه التغلب” والاستبداد، حيث كانت الأولوية دائماً للأمن (درء الفتنة) على حساب العدالة والشرعية الشعبية.   

3.4 الانعطافة الأموية وتديين السياسة

اعتبرت المداخلات أن العصر الأموي مثل لحظة مفصلية في تحول الخلافة إلى “ملك عضوض” وراثي (هرقلية). ورغم أن البعض يرى في ذلك شكلاً مبكراً من “العلمانية” (فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية التي بقيت بيد الفقهاء)، إلا أن الأمويين استخدموا الدين (عقيدة الجبرية) لتبرير حكمهم وإسباغ الشرعية الإلهية على قراراتهم السياسية ([1]).   

تطور مفهوم الدولة والشرعية في التاريخ الإسلامي

المرحلة التاريخيةمصدر الشرعيةطبيعة العلاقة بين الدين والدولةالنموذج الفقهي/السياسي
العهد النبوي (المدينة)الوحي + التعاقد (الصحيفة)تداخل عضوي مع اعتراف بالتعدديةدولة/أمة تعاقدية 
الخلافة الراشدةالاختيار/البيعة (الشورى المقيدة)وحدة القيادة الدينية والسياسيةخلافة نبوة (كما وصفها الحديث)
العصر الأموي/العباسيالغلبة + الوراثة (ولاية العهد)توظيف الدين لخدمة الملك (الجبرية)الملك العضوض/السلطنة 
التنظير الفقهي (الماوردي)الضرورة + الشوكة ([2])شرعنة الواقع (إمارة الاستيلاء)الأحكام السلطانية (فقه السلطة) 
العصر الحديث (عبد الرازق)العقل + المصلحة المدنيةفصل تام (الإسلام رسالة لا دولة)الدولة المدنية/القومية 

[1] . الجَبْرية هي فرقة كلامية تنتسب إلى الإسلام، وجوهر عقيدتها هو أنها تؤمن بأن الإنسان مسيّر وليس مخير، ومصطلح الجبرية مشتق من الكلمة العربية جبر، والتي تعني الإجبار والإكراه بمصير القدر المحتوم.

4. الضرورة: (القاعدة الفقهية: الضرورات تبيح المحظورات) مفهوم أساسي في الفقه، والماوردي كفقيه شافعي لا شك قد عالجها في أبواب فقهية متعددة ضمن “الحاوي الكبير” أو “الأحكام السلطانية” (مثل ما يتعلق بأحكام الحصار، أو الضرورات المعيشية، أو اضطرار الإمام لبعض التصرفات الاستثنائية).  قد يرى الماوردي أن ضرورة حفظ النظام العام (الشوكة) قد تبرر للحاكم اتخاذ إجراءات استثنائية (ضرورة) في حالات الفتن أو الشغب.. 

الشوكة (السلطة/القوة): تعني السلطة والقوة، خاصة في مجال السياسة الشرعية (الإمامة) التي أفرد لها الماوردي مؤلفات، حيث يبحث في سلطات الإمام وواجباته وكيفية بسط نفوذ الدولة، وهي مرتبطة بالقدرة على إنفاذ القانون وحفظ النظام.

يمثل الملف السوري التجسيد الأكثر مأساوية وتعقيداً لإشكاليات “الدين والدولة”. وقد قدمت المداخلات تشخيصاً للواقع واقترحت مخارج دستورية وسياسية.

4.1 تشخيص الواقع: بين “علمانية” النظام و”أسلمة” المعارضة

وصفت المداخلات الواقع السوري الحالي بـ”الانهيار الشامل“، حيث تتنازع الجغرافيا سلطات أمر واقع متعددة:

  • مناطق النظام: تدعي العلمانية لكنها تمارس طائفية سياسية وتستخدم المؤسسة الدينية الرسمية كأداة ضبط.
  • مناطق المعارضة (إدلب/الشمال): تشهد محاولات لفرض “أسلمة قسرية” من قبل فصائل مثل هيئة تحرير الشام، مستنسخة نماذج شمولية تقمع الحريات وتفرض نمطاً واحداً من التدين.   
  • مناطق الإدارة الذاتية: تطرح نموذجاً علمانياً (أوجلانياً) يصطدم أحياناً بالبنية العشائرية المحافظة.
  • مناطق الجنوب: عزلة نتجت عن أحداث السويداء في حزيران/يوليو 2025م. بعد تصعيد عنفي طائفي حاد.

أكد المشاركون أن “حوار الخنادق” الحالي والتدخلات الدولية يجعلان الحديث عن حل سياسي وطني أمراً بعيد المنال في المدى المنظور، وأن سوريا مهددة بالتحول إلى “ساحة صراع دائم” شبيهة بأفغانستان.   

4.2 الجدل الدستوري: هوية الرئيس والتشريع

أثار شرط “إسلام رئيس الدولة” في الدساتير السورية المتعاقبة (وحتى في وثائق المعارضة) جدلاً واسعاً:

  • الرأي الرافض: يرى فيه تمييزاً صارخاً ضد المواطنين غير المسلمين (مسيحيين، دروز، علمانيين)، وخرقاً لمبدأ “المواطنة المتساوية”. تساءل أحد المتداخلين: كيف يحق لمسلم شيشاني أو أفغاني (نظرياً) أن يحكم سوريا بينما يُحرم منها مسيحي سوري أصيل؟   
  • الرأي المبرر/الواقعي: يرى بعضهم أن هذا الشرط هو “ترضية رمزية” للأغلبية، ولا يحمل مفاعيل قانونية حقيقية، وأن حذفه في الظرف الراهن قد يستفز المشاعر ويدفع نحو مزيد من التطرف.
  • الحل المقترح: التوجه نحو “الدولة المحايدة” دستورياً، التي لا تتبنى ديناً محدداً ولا تحاربه، وتكتفي بتنظيم المجال العام وفق قيم “الحق والقانون”، تاركة المجال الديني للمجتمع المدني.  

 4.3 المصالحة التاريخية: “النموذج الإيطالي” كإلهام

طرح الدكتور عبد الله تركماني فكرة “المصالحة التاريخية” استلهاماً من التجربة الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث التقى “الحزب الشيوعي” (العلماني الجذري) مع “الحزب الديمقراطي المسيحي” (المحافظ) للاتفاق على إعادة بناء الدولة المنهارة، متجاوزين الخلافات الأيديولوجية العميقة من أجل المصلحة الوطنية. يرى البحث أن إسقاط هذا النموذج على سوريا يتطلب:   

  1. من الإسلاميين: التخلي عن وهم “الدولة الإسلامية” الشمولية، والقبول بدولة مدنية ديمقراطية تعددية.
  2. من العلمانيين: التخلي عن “الاستئصال” ونظرة الاحتقار للدين، والاعتراف بالإسلام السياسي المعتدل كشريك وطني (مع ضرورة التمييز بينه وبين السلفية الجهادية).   

4.4 إشكالية النخبة والشارع: لمن الكلمة؟

توقف البحث طويلاً عند مفارقة “الديمقراطية والخيارات الإسلامية”. تساءل المتداخلون: لماذا يختار الشارع العربي (في مصر، تونس، فلسطين، وحتى سوريا) الإسلاميين كلما توفرت صناديق اقتراع حرة؟

  • تفسير النخبة: يرى البعض أن ذلك نتاج “تجهيل” وعاطفة دينية واستغلال للفقر، وأن الديمقراطية لا تعني فقط حكم الأغلبية، بل حماية قيم الحداثة والحقوق.
  • تفسير ديمقراطي: يرى آخرون ضرورة احترام إرادة الشعوب، وأن “تجريب” حكم الإسلاميين هو الطريق الوحيد لـ”عقلنتهم” أو كشف فشلهم (كما حدث في تونس ومصر)، وأن الوصاية العلمانية على خيارات الناس هي نوع من “الاستبداد المستنير” المرفوض.   

في ضوء التحليل السابق للمداخلات والأدبيات، يخلص التقرير إلى مجموعة من النتائج والتوصيات التي ترسم ملامح الطريق نحو دولة سورية حديثة ومستقرة.

5.1 إعادة تعريف المفاهيم

  • العلمانية: يجب التوقف عن طرح العلمانية كـ”أيديولوجيا” شمولية أو “دين بديل”، وتقديمها كـ”مجموعة إجراءات إدارية وقانونية” تضمن حيادية الدولة، وكفاءة الإدارة، وحرية المعتقد للجميع. المصطلح الأنسب للتداول قد يكون “الدولة المدنية” أو “دولة المواطنة” لتجنب الحساسيات التاريخية. 
  • الإسلام السياسي: يجب دفع حركات الإسلام السياسي نحو مراجعات جذرية (على غرار ما فعلته النهضة التونسية قبل تراجعها)، للانتقال من “حزب الهوية” إلى “حزب البرامج”، ومن “تطبيق الشريعة” إلى “تحقيق مقاصد الشريعة” في العدل والحرية والكرامة.   

5.2 الدولة المحايدة: الحل الممكن

يُجمع مسار النقاش على أن “الدولة المحايدة” (Neutral State) هي الصيغة الأكثر ملاءمة للفسيفساء السورية. وهي الدولة التي:

  1. تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والطوائف والأعراق.
  2. تستمد شرعية قوانينها من “العقد الاجتماعي” والدستور الوضعي المتوافق عليه، وليس من النصوص المقدسة (مع إمكانية الاسترشاد بالقيم الأخلاقية للأديان في المجال العام وفق شرط الترجمة لهابرماس).   
  3. تحمي المجال الخاص (حرية اللباس، العبادة، الأحوال الشخصية) من تغول السلطة أو المجتمع.

5.3 خارطة طريق للمستقبل

بناءً على المداخلات، يمكن رسم ملامح خارطة طريق فكرية وسياسية:

  1. بناء “الكتلة التاريخية”: تشكيل تحالف عريض يضم العلمانيين الديمقراطيين، والإسلاميين المستنيرين، وممثلي المكونات الأهلية، للاتفاق على “مبادئ فوق دستورية” تضمن مدنية الدولة ووحدة الأراضي السورية.   
  2. لامركزية إدارية وثقافية: اعتماد نظام لا مركزي موسع يتيح للمجتمعات المحلية التعبير عن خصوصياتها الثقافية والدينية، مما يخفف من حدة الصراع على “هوية الدولة المركزية”.   
  3. التربية على المواطنة: الاستثمار في التعليم والإعلام لنشر ثقافة “المواطنة” التي تعلو على الانتماءات ما قبل الوطنية (الطائفة، العشيرة)، واعتبار التعددية مصدر غنى لا تهديد.

خاتمة

إن الصراع بين الإسلام السياسي والعلمانية في سوريا والمنطقة ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج سياقات تاريخية وسياسية قابلة للتفكيك والتجاوز. إن “اختراع” الدين كان استجابة لحاجات إنسانية وجودية، و”اختراع” السياسة كان استجابة لحاجات تنظيمية، والخلط بينهما أدى إلى فساد الاثنين معاً. المخرج يكمن في إعادة كل منهما إلى مجاله الحيوي: الدين لله وللضمير وللمجتمع، والوطن للجميع تحت سقف القانون.

——————————————-

أولا – وثائق: وثيقة المداخلات الكاملة للورشة الحوارية السورية.  أدبيات حول المودودي، الحاكمية، ونشأة الإسلام السياسي في الهند.  أدبيات حول سيد قطب، حسن البنا، ومفهوم الجاهلية.  دراسات مقارنة حول نماذج العلمانية (الفرنسية، الأمريكية، الألمانية).  كتابات يورغن هابرماس حول الدين في المجال العام وشرط الترجمة.  دراسات حول كتاب “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق.  تحليلات تاريخية حول “صحيفة المدينة” ودستوريتها.  دراسات نقدية لكتاب “الأحكام السلطانية” للماوردي.   

ثانيا – قائمة بأسماء المشاركين:

أسماء   26 مشاركا مرتبة وفقا للمشاركة في الحوار (طرح أسئلة، إجابات رئيسية، ردود وتعقيبات متبادلة):

* * * * * * * * *

المنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا
مؤسسة لندنار
قناة لندنار
لندنار Facebook
قناة ندوة وطن
ندوة وطن  Facebool
المنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا  Facebook
نورجان سرغاية Facebook
Telegram تلغرام

انتهى

محتويات فصول الكتاب الإلكتروني
حصاد العام 2025 – مع مجموعة من المختصين السوريين
الاستبداد – عماد الظواهرة وآخرين
الإسلام السياسي والعلمانية – مع أحمد الرمح وعبد الله تركماني وآخرين
المواطنة والعلمانية – مع هيثم صعب وآخرين.
  برعاية المنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا 20 كانون أول/ديسمبر 2025  

Next Post

د. أحمد برقاوي l حوار في التنوير والحداثة.

الأربعاء يناير 7 , 2026
حوار مع أحد أبرز المفكرين العرب الذين خاضوا في قضايا التنوير والحداثة، البروفيسور أحمد برقاوي، وذلك من خلال محاور أربعة تبدأ بتعريف التنوير وحاجتنا إليه، مروراً بعلاقة الحداثة بالتنوير، ثم تحليل أسباب فشل الحركة التنويرية العربية، وختاماً بتساؤل حول إمكانية مخاض تنويري جديد. إدارة الحوار: موفق زريق. تقديم ومونتاج: نورجان […]

أبرز المواد

أحدث المنشورات