هويات سورية / أنس حمدون

بقلم: أنس حمدون

مقدمة: الهوية كمدخل لتحليل المشهد السوري

اخترتُ أن أقارب المشهد السوري من زاوية الهوية، لأنني أعتبر أن الهوية اليوم هي نقطة الاستعصاء الأساسية، ومنها تبدأ كل الإشكاليات الأخرى. فنحن لا نستطيع أن نجيب عن سؤال: إلى أين نريد أن نذهب؟ ولا أن نحدد أين نحن، قبل أن نطرح بجدية سؤال: من نحن؟

هذه ليست استعارة بلاغية، ولا صورة ذهنية للتوصيف، بل قناعة تحليلية مفادها أن مفتاح المعضلات السورية، على اختلاف مستوياتها، يكمن في مسألة الهوية، وفي كيفية فهمها وتوظيفها وإدارتها.

المشهد السوري اليوم يبدو ملتبسًا، غير واضح المعالم، ومقلقًا ذهنيًا ونفسيًا. صورة إجمالية يصعب الإحاطة بها بشكل متكامل، لأن عناصرها متحركة وضبابية وغير ثابتة الملامح، بل وغير معرّفة البنية في كثير من الأحيان. ولا يعود هذا الالتباس فقط إلى تعقيد الواقع، بل أيضًا إلى غياب إطار هويّاتي واضح نستطيع من خلاله قراءة هذا الواقع وفهم مكوناته.

من هنا، اعتبرتُ أن مقاربة الهوية يجب ألا تكون عامة أو إنشائية، بل أقرب إلى الفحص المجهري: أن نقترب من العناصر المكوِّنة، من الهويات الجزئية، من الطبقات المختلفة التي يتشكّل منها المشهد السوري، ثم نحاول إعادة تركيب صورة إجمالية انطلاقًا من هذه الصور الجزئية. وأطرح هذه المقاربة بوصفها مدخلًا لنقاش مفتوح، لا خلاصات نهائية.

الهوية ليست محورًا بسيطًا أو أحاديًا، بل محور مركّب، يتطلّب البدء بتفكيك مفهوم الهوية نفسه: أهميته وإشكالياته، تمهيدًا للمحاور اللاحقة.

أولًا: أهمية الهوية

على المستوى النفسي–الرمزي، يبيّن كارل غوستاف يونغ أن الجماعات، كما الأفراد، لا تستطيع بناء مسار واعٍ أو متوازن ما لم تحسم علاقتها بصورتها عن ذاتها. فالأزمات الكبرى، بحسب يونغ، تظهر حين تُقمع الهوية أو تُشوَّه، فيعود المكبوت على شكل خوف جماعي، أو إسقاط، أو عداء للآخر.

ويؤكد كلود ليفي-شتراوس، من منظور أنثروبولوجي، أن الهويات ليست مجرد انتماءات شعورية، بل أنساق عميقة من الرموز والبُنى التي تنظّم فهم الجماعة للعالم ولنفسها. وعندما تختل هذه البُنى، تفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معنى مشترك، وبالتالي على بناء مشروع سياسي جامع.

في الفلسفة الجدلية، يذهب هيغل أبعد من ذلك، إذ يرى أن الدولة هي لحظة تحقّق الوعي الذاتي الجمعي، وأن الأمة لا تدخل التاريخ كفاعل سياسي إلا عندما تعي ذاتها ككلّ، أي عندما تمتلك تصورًا عن هويتها وعن ذاتها في علاقتها بالآخر. ومن دون هذا الوعي، يبقى المجتمع في حالة تشتت أخلاقي وسياسي، عاجزًا عن إنتاج دولة عقلانية.

أما في الفكر السياسي الكلاسيكي، فيربط مونتسكيو، في «روح القوانين»، بين القوانين وطبيعة المجتمع الذي تُسنّ له، معتبرًا أن أي نظام سياسي لا يمكن فهمه أو استقراره من دون الانطلاق من روح الأمة، أي من منظومة القيم والعادات والتمثلات التي تشكّل هوية الجماعة السياسية. فالدولة هنا ليست قالبًا يُفرض، بل تعبير عن هوية اجتماعية–تاريخية سابقة عليها.

ثانيًا: إشكاليات الهوية السورية

يمكن اختصار جوهر الإشكال في مسألة الهوية السورية بإشكاليتين أساسيتين:

الإشكالية الأولى: أن الهوية السورية، قبل سقوط النظام، كانت هوية قسرية. لم تتشكّل عبر مسارها الاجتماعي الطبيعي، بل كانت مؤطّرة بالسلطة وبالحاكم، ومفروضة من خلال منظومة قسرية. لم تكن الدولة تعبيرًا عن هوية اجتماعية متكوّنة، بل كانت الإطار القسري الذي عرّف الهوية وحددها، فيما كان النظام هو الإطار القسري للدولة نفسها. نحن أمام طبقات متراكبة من القسر: نظام يفرض دولة، ودولة تفرض هوية.

بهذا المعنى، لم تكن الهوية السورية هوية مُعاشة أو مُتفاوضًا عليها، بل هوية مُدارة ومضبوطة سياسيًا ومحروسة بالقوة. وهو ما يلتقي مع تحليلات فرانز فانون لهويات المجتمعات الخارجة من الاستعمار، حيث تتحول الهوية إلى بناء فوقي تعرّفه السلطة بدل أن يتكوّن من داخل المجتمع.

الإشكالية الثانية: أن هذه الهوية القسرية تفككت بسقوط النظام. فبانهيار الإطار القسري الذي كان يجمع الهوية بالقوة، انفلتت الهوية وتفككت، فيما يشبه انفراط المسبحة. ما تفكك هنا ليس فقط السلطة، بل الإطار الذي كان يمنع هذا التفكك من الظهور.

نحن اليوم لا نواجه أزمة هوية عابرة، بل حالة تفكك هويّاتي كاملة، ما يجعل التحدي ليس في إعادة تجميع الهوية وفق المنظومة السابقة، بل في خوض عملية تأسيسية جديدة: إعادة تكوين الهوية السورية على أسس نابعة من المجتمع، قابلة للتعدد، ومتحررة من القسر.

المحور الأول: هوية السلطة

يطرح الحديث عن هوية السلطة إشكالًا ذهنيًا عميقًا: كيف يمكن تعريف هوية سلطة قد لا تمتلك أصلًا هوية قابلة للتعريف؟ فالمفارقة أن المشكلة ليست في عجزنا عن التعريف، بل في غياب هوية فعلية للسلطة نفسها. نحن لا نتعامل مع هوية سياسية متماسكة، بل مع هوية سلطوية قائمة على السيطرة لا على المعنى.

تعيش هذه السلطة على إسقاطات متبادلة: إسقاط من المجتمع عليها بحثًا عن حماية أو تمثيل، وإسقاط منها على المجتمع حين تعتبر فئة معينة امتدادًا لها أو قاعدة أمنية تمنحها رصيدًا. وبدل أن تمتلك هوية سياسية واضحة، تستعير هويات الآخرين وتعيد تدويرها بحسب الحاجة.

في التجربة السورية السابقة، اختُزلت هوية السلطة في هوية رأسها: بعثية–عسكرية–أمنية–علوية. واليوم يُعاد إنتاج المنطق نفسه، ولكن بانتماء مختلف، حيث تُختزل هوية السلطة في انتماء قائدها، لا في مشروع سياسي جامع.

هذا النمط لا يبحث عن تثبيت هوية، بل عن إدارتها وتعليقها. هنا تُفهم الهوية بوصفها أداة عمل، لا انتماءً نهائيًا. ومن ثمّ، تصبح السلطة كيانًا مراوغًا، متلوّنًا، قادرًا على تبديل الأقنعة بحسب اللحظة وموازين القوة.

تكمن الخطورة في الخلط المتعمّد بين هوية السلطة وهوية الدولة، بحيث يُقدَّم الاعتراض على السلطة بوصفه عداءً للدولة. هذا الدمج يُفرغ الدولة من معناها، ويحوّل الهوية الوطنية إلى أداة حكم متقلّبة، ما يجعل الفصل بين الدولة والسلطة شرطًا لأي نقاش سياسي سليم.

المحور الثاني: الهويات الاجتماعية

في هذا المحور نغادر منطق الكيان الواحد إلى فضاء التعدد. فالمجتمع السوري بنية هويّاتية مركّبة، تشكّلت تاريخيًا وتفاعلت مع السلطة والصراع والذاكرة. أحد أبرز تجليات هذا التعدد هو صراع الهويات، أو بتعبير أدق: صراع المظلومات.

تتحول المظلومية هنا إلى هوية جاهزة، تمنح شعورًا فوريًا بالانتماء، وتُعفي من مساءلة الذات. غير أن خطورتها تكمن في تحوّلها إلى هوية مغلقة تعيد إنتاج الصراع بدل تجاوزه.

في السياق السوري، جرى التنازع على المظلومية بوصفها رأس مال رمزي، ما أفضى إلى هوية احتكارية لا تكتفي بتعريف ذاتها كضحية، بل تنفي عن الآخرين حقهم في الألم والذاكرة والتمثيل. وهكذا تتحول الهوية إلى أداة إقصاء لا إلى إطار جامع.

تلعب الهوية العربية السنية دورًا مركزيًا في هذا المشهد، بوصفها الكتلة السوسيولوجية الأكبر التي تعرّضت لتهميش بنيوي سابق، مع اختراقات فردية داخل السلطة لم ترقَ إلى شراكة حقيقية. اليوم تتصارع سرديات حول هذه الهوية، بين من يحتكر المظلومية ومن ينفيها، ما يعمّق الإرباك الهويّاتي.

تتفاقم هذه الظواهر مع دور إشكالي للنخب، حين تنحاز إلى انتمائها الاجتماعي على حساب وظيفتها النقدية. وهنا تفقد النخبة معناها بوصفها وسيطًا معرفيًا، وتتحول إلى جزء من آليات التبرير.

التعدد في سوريا معطى بنيوي، لا مشكلة طارئة. وأي محاولة لإنكاره أو صهره قسرًا تعيد إنتاج الصراع بدل احتوائه.

المحور الثالث: هوية الدولة

الدولة ليست كيانًا طبيعيًا ولا امتدادًا لهوية واحدة، بل بناء سياسي–قانوني نشأ لتنظيم العنف والصراع. ومع تطور المجتمعات، انتقلت الدولة من تنظيم القوة إلى تنظيم الانتماء عبر مفهوم المواطنة.

تكمن الإشكالية حين يُخلط بين الدولة والأمة، وتُفرض وحدة شكلية عبر التجانس. في المجتمعات المتعدّدة بعمق، يفشل هذا النموذج، لأن المشكلة ليست في التعدد، بل في إنكاره.

في الحالة السورية، لم تتشكّل الدولة إطارًا لإدارة التعدد، بل سلطة تعرّف المجتمع من الأعلى. ومع كل تبدل في ميزان القوة، تبدّل تعريف الدولة، لأن ما قُدّم بوصفه هويتها لم يكن سوى هوية السلطة الحاكمة.

الدولة الجامعة لا يمكن أن تُبنى على مرجعية إقصائية، دينية كانت أم غيرها. البديل هو التفكير في صيغ أكثر مرونة لتنظيم التعدد، حيث تصبح الوحدة نتيجة اعتراف متبادل لا فرض قسري.

خاتمة

حاولتُ في هذه المقاربة الاشتغال على سؤال الهوية من موقع التحليل لا الاصطفاف، ومن الفهم لا ادعاء الحقيقة. مستقبل سوريا لا يُبنى بوحدة قسرية، بل بوحدة سياسية واعية بتعدديتها، قادرة على تنظيمها ضمن إطار وطني جامع. التحدي الحقيقي هو تحويل التعدد من مصدر صراع إلى مصدر قوة، عبر دولة تشبه مجتمعها بدل أن تفرض عليه أن يشبهها.

Next Post

قراءة تحليلية نقدية للمرسوم 13 لعام 2029 l الجزء الثاني

الأثنين فبراير 2 , 2026
ندوة حوارية نظمها المنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا بالتعاون مع عدة منتديات ومنصات حوارية: البديل الديمقراطي السوري، شبكة لينكا، مجلة السفينة الإلكترونية، منظمة مسار للديمقراطية والحداثة، مؤسسة لندنار، ندوة وطن. المشاركون حسب الظهور: عارف الشعال، صلاح بدر الدين، صبيحة خليل، سنحاريب ميرو، سوسن زكزك، عبد الله تركماني، بسام العيسمي، […]

أبرز المواد

أحدث المنشورات