* هاني الشيباني
لم يكن كلام الشرع في قصر الشعب، عندما أعلن صراحةً أن سوريا لن تتدخل في لبنان وأن الجيش السوري لن يدخل لبنان، هو كلام القادر على رفض الدخول بقدر ما هو كلام من يحلم ويحاول تأجيل اشتعال النار.
فالقرار السوري ليس في دمشق، وإنما هو في واشنطن وتل أبيب وأنقرة. وعلى الرغم من محاولة السعودية أن تمتلك جزءًا من قرار دمشق لكي تصنع نوعًا من التوازن السياسي في مرحلة خطيرة على سوريا والمنطقة، إلا أن سياسة الرياض التي تعتمد على طول النفس، وغياب السعودية عن المشهد السوري لسنوات، جعلها تُبعَد مرة ثانية، وانحصر القرار السوري ما بين واشنطن وتل أبيب كأصحاب قرار، وبين أنقرة كلاعب ميداني.
وبالتالي، فإن دخول الجيش السوري إلى لبنان مرتبط فقط بما ستكسبه أنقرة من هذه الصفقة، وما على الشرع إلا التنفيذ عندما يكون الثمن مُرضيًا لأنقرة.
الثمن الذي تريده أنقرة لإعطاء الضوء الأخضر للشرع لدخول لبنان هو السماح بتوسيع دائرة النفوذ التركية لتصل إلى حدود حمص وبعض المواقع في الساحل السوري، إضافةً إلى عدد من المطارات السورية الاستراتيجية. وعندما توافق تل أبيب على هذه المطالب، سيجد الشرع نفسه داخلًا إلى لبنان دون تردد.
الآن، ماذا يعني أن يدخل الجيش السوري إلى لبنان؟ وما هي نتائج هذا الدخول؟
في البداية علينا أن نعلم أن تل أبيب لن تسمح، وبأي شكل من الأشكال، بانتشار الجيش السوري في الجنوب اللبناني. وما تريده تل أبيب هو أن تقوم سوريا بسحب سلاح حزب الله دون أن تنتشر في الجنوب، أي أن انتشار الجيش السوري سيكون فقط في الشمال اللبناني.
ولكن هل سيكون دخول الجيش السوري إلى لبنان سلسًا كما وصل الشرع إلى دمشق صبيحة إسقاط نظام الأسد؟
هنا يكمن المنعطف الخطير؛ فأمام الرئيس الشرع خياران لا ثالث لهما عندما تقبض تركيا الثمن في سوريا:
فإما أن يدخل الجيش السوري إلى لبنان، أو أن يرفض الشرع ذلك الدخول.
فإن دخل الجيش السوري إلى لبنان، فهل ستقف إيران متفرجة؟ أم أنها ستقصف دمشق بصواريخ لم تتمكن كل الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأميركية من منعها من الوصول إلى أهدافها؟
وهل سيقف الحرس الثوري الإيراني المرابط على الحدود العراقية ـ السورية؟ أم أنه سيتحرك باتجاه دمشق وحمص وتلكلخ؟
وهل سيقف عتاة الجهاد ومشايخ العداء لإسرائيل لأنها تحتل القدس، والمحيطون بالشرع من كل جوانبه، متفرجين؟ أم سيكون هناك صراع محاور دموي داخل هيكلية السلطة في دمشق؟
أما إن رفض الشرع دخول لبنان، فهذا يعني أن الشرع قد رفض قرار ترامب ومطالب تل أبيب وقرار تركيا التي قبضت الثمن. وهذا يعني أن الشرع قد اختار التمرد على من يحميه من كل شيء.
في كلتا الحالتين، فإن الشرع يقف على المنعطف الخطير؛ فإما يدخل لبنان وتكون النتيجة تدميره وتدمير سوريا أو ما تبقى من سوريا، أو يرفض الدخول وتكون النتيجة تدميره هو وفريقه فقط.
وبحكم قراءاتنا لقرارات الشرع خلال السنوات الماضية، وما فعله في إدلب، فهو لا يمكن أن يختار قرارًا يسبب تدميره وتدمير مستقبله فقط، ولن يقبل بأن يدفع هو الثمن ليحافظ على ما تبقى من سوريا. بل إنه سيعمل على سياسة التذاكي ويدخل لبنان، لعل وعسى ـ بالنسبة له ـ أن تقف معه الدول عندما ترى أن سوريا ستنتهي، كما وقفت معه في إدلب عندما أنهى الشرع فصائل الجيش الحر، وخافت الدول، وخاصة تركيا، من أن تعمّ الفوضى في الشمال (المحرر)، فاختارت الدول أن تتعامل معه وتنصّبه على عرش إدلب.
في النهاية، فإن القراءة المتأنية للواقع السوري الحالي، وقراءة تفكير الشرع وكيف يغلب الكرسي على الأيديولوجيا، تقول إن الجيش السوري سيدخل لبنان، وستدخل سوريا في النفق المظلم، بل قد يكون شلال دم، ولكن هذه المرة سيكون شلال دم داخليًا وبين أبناء التنظيم الواحد.
